ابن كثير
54
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إسحاق بن عيسى ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن أبي بكر بن عبد اللّه بن أبي مريم ، عن أبي سلام الأعرج ، عن المقدام بن معد يكرب الكندي ، أنه جلس مع عبادة بن الصامت ، وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي رضي اللّه عنهم ، فتذاكروا حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال أبو الدرداء لعبادة : يا عبادة كلمات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس ، فقال عبادة : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم ، فلما سلم قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتناول وبرة بين أنملتيه ، فقال : « إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط ، وأكبر من ذلك وأصغر ، ولا تغلوا فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة ، وجاهدوا الناس في اللّه القريب والبعيد ، ولا تبالوا في اللّه لومة لائم ، وأقيموا حدود اللّه في السفر والحضر ، وجاهدوا في اللّه ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ، ينجي اللّه به من الهم والغم » ، هذا حديث حسن عظيم ، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه . ولكن روى الإمام أحمد أيضا وأبو داود والنسائي ، من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده عبد اللّه بن عمرو ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول . وعن عمرو بن عنبسة ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلى بهم إلى بعير من المغنم ، فلما سلم أخذ وبرة من هذا البعير ، ثم قال : « ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » « 1 » رواه أبو داود والنسائي ، وقد كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه ، عبد أو أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك كما نص عليه محمد بن سيرين وعامر الشعبي ، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء . وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر ، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد « 2 » ، وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كانت صفية من الصفي ، رواه أبو داود « 3 » في سننه ، وروى أيضا بإسناده والنسائي أيضا عن يزيد بن عبد اللّه قال : كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم ، فقرأناها فإذا فيها « من محمد رسول اللّه إلى بني زهير بن قيس إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وأقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وأديتم الخمس من المغنم ، وسهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وسهم الصفي ، أنتم آمنون بأمان اللّه ورسوله » فقلنا من كتب هذا ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 4 » ، فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرير هذا وثبوته .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الجهاد باب 149 ، والنسائي في الفيء . ( 2 ) أخرجه الترمذي في السير باب 12 ، وأحمد في المسند 1 / 271 . ( 3 ) كتاب الإمارة باب 21 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في الإمارة باب 21 ، والنسائي في الفيء .